شاهدت وثائقي من BBC يتناول قصة الـ Diners لم اجد لها ترجمة حرفية عربية، هي المقاهي والمطاعم التي تقدم الوجبات السريعة الشبيهة بطهي المنزل، وقد تمتد ساعات عملها طوال اليوم وتقدم كلّ الوجبات. هذا المكان الذي ومع مرور السنوات اصبح رمزاً للثقافة الامريكية وتناولته الاعمال الادبية والفنية والسينمائية بشكل متكرر. الحديث عن ذلك ومشاهدة بداية الوثائقي ذكرتني بتدوينة كتبتها قبل عدة سنوات تحت عنوان الملهم النيويوركيهذا العمل للفنان هوبر، يصوّر عددا من الاشخاص في داينربمكان ما في نيويورك، عزلتهم، انفصالهم واتحادهم مع المكان، وتفاصيل اخرى يتتبعها الوثائقي. سعدت كثيراً بأنّها لفتت انتباهي من قبل، ووضعها في سياق البرنامج اعطاها بعداً آخر. ما بدأ كعربة متنقلة في المدن، تحول إلى مركز لاطعام ٢٢ بليون وجبة للامريكيين منذ نهاية القرن التاسع عشر، وفي رود آيلاند في ١٨٧٢م كان أول داينر وفيها أيضاً ما زال أقدم داينر متنقل في أمريكا Haven Brothers“. يبدأ ستيفن سميث رحلته البرية لزيارة أبرز الـداينرزالامريكية والرموز الاخرى التي خلدتها، على أن لا يتناول أي طعام آخر خلال الرحلة إلا تحت سقفها. يروي ملخصاً مذهلاً عن تاريخها ويلتقي بباحثين تاريخيين متخصصين للحديث عن جزء من الثقافة التي حفظها الامريكيون خلال حربين عالمية، وكساد عظيم!
في الوثائقي يتطرق المتخصصون للحديث عن هندسة بناءها – بعد أن أصبحت ثابتة مع بداية عشرينات القرن العشرين– . الاطباق المقدمة في الـ Diners تتنوع بتنوع اذواق الزوار، وجبات الفطور الدافئة، القهوة والمشروبات السريعة، التي يعلق عليها الزوار بأنها بثمن جيّد اقلّ من الوجبات في المطاعم، واكثر شبهاً بطهو المنزل والموجّة للاشباع! في نفس المكان يجتمع الافراد من جميع الشرائح، الغنيّ والفقير، العالم والأمي، والشرطي والمجرم! في العام ١٩٩٦م تأسس متحف مخصص للداينرزأمريكا، للحفاظ على تراثها وجمع القطع التذكارية المتبقية بعد تجديد القديم منها أو اقفاله، المتحف ملحق بإحدى الجامعات وعلى مساحة ضخمة.
يعود الوثائقي مجدداً لزيارة التمثيل الفنّي للداينرز ، بالتحديد لماساتشوستس لزيارة متحف الفنّان الامريكي الأشهر روكويلواستعراض اعماله الواقعية التي سحرت الجميع لعقود. ولكن لوحة واحدة بالتحديد، لوحة تصور الداينر الامريكي :
ويعود ليلتقي بأبطالها لاستعادة الذكرى، لا انكر أنّ هناك قشعريرة غمرتني وأنا انظر لهذا المشهد، واستمع لتعليق الابطال، وهم يتذكرون اللوحة ورسمها. وكونها قد خلدتهم بطريقة خاصة.
في غابة الاسفلت نيويوركيلتقي سميث بمغنية امريكية حققت اغنية استوحتها من داينر على نجاح ساحق في تسعينات القرن الماضي، المغنية هي سوزان فيغا والمقطع التالي يعرض قصة الاغنية – ستلاحظون أننا نعرفها من نسخة سيمون المختلفة تماماً عنها – .
ينطلق ستيفن سميث غرباً، ليعرض مشاهد سجلها الادب في أعمال كتّاب القرن العشرين، تتحدث عن الداينرز بوصفه مكوّن أساسي من الحياة والثقافة الامريكية، وكمكان تُدرس فيه الطبائع الانسانية واعمق اسرارها. ثمّ يلتقي بالمصور الامريكي ستيفن شور، الذي شكّلت الداينرز شريحة كبيرة من صوره التي التقطها للحياة الأمريكية. ورحلاته البرية التي قطعها على الطرقات في سبعينات القرن الماضي. من الداينر الامريكية أيضاً انطلقت شرارة استعادة الحقوق التي سُلبت من الامريكيين الافارقة، في الجنوب الامريكي كانت الداينرز ارض معركة، ففي الخمسينيات من القرن الماضي، منع الامريكيون الافارقة من دخول الداينرز وإذا حدث ذلك، فإنهم ممنعون من تناول الطعام، أو الجلوس على نفس الطاولة الممتدة إلى جانب البيض. في فبراير ١٩٦٠م بدأ مجموعة من الطلاب بالدخول إلى الداينرز والجلوس وطلب الطعام، على ألا يبدؤون بالعنف أو الاذى للاخرين، وهكذا يتركون رسالتهم. سُمح لهم بالدخول ولكن لم يتم تقديم الطعام لهم، تعرضوا للشتم، والضرب، وجاءت الشرطة لاحقاً واعتقلتهم لسبب وحيد: لون بشرتهم! هذه الخطوات الشجاعة مهدت لكسر القيود وحصولهم على حقوقهم.
يصل سميث في نهاية الوثائقي لأقصى الغرب الامريكي، إلى لوس انجليس، ويستعرض عدد من الافلام الشهيرة التي تناولت المكان، من بينها على سبيل المثال الفيلم Diner الذي احببته بشكل خاصّ، وهو الاكثر تخصصاً في الموضوع، وغيره افلام اخرى بمشاهد تعلق بالذاكرة في داينر كذلك مثل Heat , Goodfellas , A History of Violence .
الوثائقي رائع، وممتع لكن نصيحتي الاهم: لا تشاهدوه قبل تناول وجبة شهية ومشبعة !

 

1 Comment

 

  1. Pingback : مدونة قيم » مدونة قيم إستكشف ماحولك بألذ الطرق! » تصنيفات المطاعم الأساسية

Leave a reply

 

Your email address will not be published.