لا أعرف سلسلة مطاعم شهيرة خلقت من الضجة والأراء المتناقضة أكثر من مطاعم ماكدونالدز. البعض يعتبرها أفضل سلسلة مطاعم هامبورجر ووجبات سريعة، في حين يراها البعض الآخر أسوء ما ابتكرته البشرية! بل حتى على مستوى الأنماط الإستهلاكية المرافقة لها نجدها متناقضة تماما، إذ يمكن أن تجد دولتين متجاورتين، لهما تقريبا نفس العادات الغذائية ونفس مستوى دخل الفرد، لكن على مستوى ماكدونالدز تجده في إحداها ملاذا للفقراء والكادحين وفي الأخرى مطعما راقيا للطبقة البورجوازية.

عكس سلاسل المطاعم الأخرى الشهيرة، التي بدأها المؤسسون وهم من تابعوا بعد ذلك البناء حتى تحولت المطاعم الصغيرة إلى سلاسل مطاعم شهيرة، فإن ماكدونالدز مرت في طريق آخر. فقد كانت البداية في كاليفورنيا، سنة 1940، على يد الأخوين ريتشارد وموريس ماكدونالد، اللذان ابتكرا سنة 1948 أسلوب التقديم السريع للوجبات والخدمة الذاتية للعميل، وهو أسلوب إستوحاه الأخوان من أسلوب خط تصنيع وتجمبع السيارات الذي ابتكره هنري فورد.

أثار هذا الأسلوب إنتباه راي كروك، الذي كان يورد للأخوين ماكينات صب المشروبات، فعرض عليهما توسيع نشاطهما إلى جميع الولايات الأمريكية وباقي العالم، فوافقا على منحه الحقوق الحصرية لتوزيع رخص الفرانشايز، سنة 1955. بدأ راي العمل بحماس حتى أنه نجح خلال أول خمس سنوات في رفع عدد مطاعم ماكدونالدز إلى 200 مطعم، ثم أوصلها إلى 500 مطعم سنة 1963. أما اليوم فتبلغ عدد مطاعم السلسلة حوالي 68 مليون مطعم على امتداد 119 دولة. بذلك تكون ماكدونالدز أكبر سلسلة مطاعم وجبات سريعة في العالم.

لم يكن راي كروك، في بداية منح حقوق الإمتياز، يحصل من أصحاب المطاعم سوى على نسبة 1.9% من إجمالي إيرادات المطعم، يمنح نصفها للأخوين ماكدونالد. لكنه وجد أن تلك الحصة بالكاد تكفيه لتغطية المصاريف، فبدأ البحث عن حل بديل إلى أن جاء بالفكرة العبقرية التي ستتيح له تحقيق الربح من الأراضي أكثر من الهامبورجر. حيث بدأ يشتري الأراضي والعقارات في أماكن مميزة، ثم يعرضها لاحقا للإيجار على من يريد افتتاح مطعم ماكدونالد في تلك المنطقة.

تحركات راي النشيطة وتعديلاته الكثيرة التي أراد إدخالها على النظام جلبت عليه سخط الأخوين ماكدونالد وبدأ الخلاف يدب بينهم، فلم يجد حلا أفضل من أن يشتري منهما ماكدونالدز كاملة، بمبلغ 2.7 مليون دولار، فأصبح سنة 1961 المالك الوحيد للنشاط، ثم بعد أربع سنوات طرح أسهم الشركة في البورصة لتكون أول شركة مطاعم وجبات سريعة تدخل البورصة الأمريكية.

كان راي مهووسا بالتفاصيل وحريصا على كل شيء، لدرجة أنه كتب دليلا مفصلا حول طريقة إدارة مطاعم ماكدونالد يتضمن التفاصيل الدقيقة لأوزان ومقاسات كل مكون وشريحة. كما أنه أنشأ سنة 1961 معهدا تدريبيا لمدراء مطاعم ماكدونالدز، تحول لاحقا إلى “جامعة الهامبورجر” التي تمنح درجتها العلمية في علوم البرجر والبطاطس!

نجاح ماكدونالدز كان كاسحا، لدرجة أنه سنة 1971 كان 96% من أطفال أمريكا يعرفون المطعم وما يقدمه، أكثر مما يعرفون اسم الرئيس الأمريكي آنذاك.

اليوم أصبحت إمبراطورية راي كروك، الذي توفي سنة 1984 عن عمر 81 سنة، بعد عشر سنوات من تقاعده من إدارة الشركة، أشهر علامة تجارية في مجال المطاعم، ورغم كل الإنتقادات التي توجه لمطاعم ماكدونالدز، غالبا بسبب طعامها غير الصحي، إلا أن شعبيتها لا تتدهور أبدا، وقد حققت سنة 2010 إيرادات تجاوزت 24 مليار دولار، منها قرابة 5 مليارات ربحا صافيا.

 

Leave a reply

 

Your email address will not be published.