اقتنيت قبل فترة كتاب The Man Who Ate Everything للكاتب جيفري شتاينيارتن ناقد الطعام الأمريكي الشهير، الذي منذ عيّنته مجلة Vogue ليعدّ تقارير نقدية حول العالم تفرغ تماماً لتذوق كلّ شيء يمكنه تناوله ويتخلّص على مراحل من فوبياه كما يسميها تجاه كثير من أنواع الطعام وضعها في قائمة وقرر أنه لن يتناولها وإن كان على وشك الموت جوعاً على جزيرة نائية.

لكنني كالعادة أحب البحث فيما وراء الكتاب، المزيد من المعلومات عن الكاتب أو حياته قبل الانطلاق في القراءة، هذه الرحلة التي أسميها القراءة العنقودية.

وجدت بعد البحث باسم الكتاب الرجل الذي أكل كلّ شيءوثائقي أعدته قناة بي بي سي 4″ والتطابق بين عنوان الفيلم وهذا الوثائقي لم يعن بالضرورة أن يكون البرنامج عن السيد شتاينيارتن، بل عن آلان ديفيدسون الدبلوماسي والمؤرخ والكاتب البريطاني.

القاسم المشترك بينهما إضافة إلى اسم البرنامج والكتاب حبّ كبير للطعام، ونحنُ عندما نقول الطعام لا نقصد الطهي ووصفاته، بل نقصد فناً قائما في حدّ ذاته مثل الرسم والشعر والفنون الجميلة الأخرى ألا وهو فنّ الأكل Gastronomy.

نسيت كتابي الذي بدأت به البحث وشاهدت الوثائقي الذي يتتبع مسيرة ديفيدسون الحافلة، التي لم تحظ على ما يبدو بالشهرة الموازية لروعتها.

في الوثائقي يتركز الحديث حول كتاب آخر وضعه ديفيدسون خلال 20 عاماً، وأدرج فيه ما يقارب 2700 مُدخل يصف بإيجاز أنواعاً من كلّ الأطعمة التي يمكن للبشر تناولها.

المميز في الكتاب Oxford Companion to Food أنه لا يقتصر على ذكر أنواع الطعام وحسب، إنّه يتحدث عن الأنواع وعن مصادرها وأماكن وجودها مثل أطلس مفصل للجغرافيا وللمجتمعات وعاداتها.

نلتقي خلال الوثائقي شقيقة آلان التي تتحدث عن شغف أخيها الراحل عام 2003، أنه بدأ ذات ليلة بعد قراءته مقطعا من ألف ليلة وليلة يصف سلق البيض في خليط من زيت الزيتون والقهوة التركية، ومع أن تجربة المحاكاة كانت فاشلة وكارثية إلا أنها كانت بذرة لما سيأتي من رحلات استكشافية واختيارات رائعة.

خلال تنقله كسفير لبريطانيا استقر ديفيدسون في بلدان عدة كان من بينها: تونس، بلجيكا، أمريكا، هولندا، ولاوس.

في تونس كتب كتابه الأول بعد أن وقعت زوجته في حيرة عظيمة، إذ لم تستطع التعرف على أنواع الأسماك التي تباع في الأسواق فطلبت منه وضع قائمة بأسمائها.

والقائمة أصبحت كتاباً عن الطعام البحريّ في تونس، ولاحقاً تحول إلى كتاب عن الطعام البحريّ لمنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط كلها.

في عام 1993 بدأ ديفيدسون بالتعاون مع المؤرخ البريطاني ثيودور زيلدن منتدى سنويا يقام في جامعة ساينت كاثرين البريطانية ويجتمع فيه الهواة والمختصون في فنّ الأكل والغذاء بشكل عام.

الجلسات والندوات في هذا المؤتمر تناقش الأكل دون عزله عن المجتمع بأفراده وفنونه وآدابه أيضاً، ويصادف أن يحتفل المنتدى هذا العام وفي تموز (يوليو) تحديداً بعامه الـ 30، وعليه قررت اللجنة المنظمة أن الموضوع المطروح للنقاش الأكل في الاحتفالات بلا تقييد، سواء كان ذلك الاحتفال وليمة عائلية أو مناسبة دينية عظيمة.

بعد الإبحار الطويل في الإنترنت والانتقال من معلومة لوثائقي لكتاب آخر، عدت مجدداً لتقليب صفحات كتابي نقطة البدء واكتشفت أنني طورت عادة محببة في التعرف على الأشياء مع أنها متعبة أحياناً.

الانتقال من معلومة إلى أخرى في سلسلة طويلة من القراءات والبحث لا تدع للملل مجالاً وتذكرني بدمى الماتريوشكا الروسية لكنني لا أصل إلى الدمية الأصغر أبداً!

– مقال نُشر في جريدة الاقتصادية.

 

Leave a reply

 

Your email address will not be published.